عين القضاة

مقدمة 27

شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان

النور المشار اليه يظهر في الباطن عند ظهور طور وراء العقل . ولا تستبعدنّ وجود ذلك فإن وراء العقل أطوار كثيرة ، ولا يعرف عددها الا اللّه - عز وجل - وقلّ ما يدرك في هذا الطور مدركات يحتاج في ادراكها إلى الاستدلال بالمقدمات ؛ فإن البصير لا يحتاج إلى الاستدلال في ادراك المبصرات إنما الأكمه هو الذي لا يتمكن من ادراكها الا من طريق الاستدلال عليها ، كما لو استدل باللمس على وجود المبصر . وأما ما وراء الوجود من حقيقة اللون ، فليس ممكن ادراكه لأن طريق الاستدلال في ذلك مسدود . الفصل السابع عشر ( وظيفة العقل ووظيفة نور الباطن ) العقل إنما خلق في الأصل لادراك الأوليات التي لا يحتاج فيها إلى مقدمات ؛ فأما ادراكه لغوامض النظريات من طريق الاستدلال والاعتبار بالمقدمات ، فكأنه خارج عن طبعه الأصلي ؛ وهذا كما أن حاسة اللمس خلقت في الأصل لادراك الملموسات من حيث أنها ملموسات ، فإذا استعملها الأكمه للاستدلال على وجود ما يدرك بالقوة الباصرة ، كان ذلك خارجا عن طبعها أعنى عن طبع الحاسة اللامسة . وكذلك الكتابة من خاصية اليد ، فإذا كان الأقطع يكتب برجله كان ذلك خارجا عن طبعها ؛ فإن القدرة الأزلية لم توجد الرجل للكتابة بل لأمور أخر . فاعلم من ذلك أن ادراك المعقولات الغامضة ، إلى طور وراء العقل يستغنى في ادراكها عن المقدمات ، نسبته إلى الغوامض نسبة العقل إلى الأوليات .